النخلة  |  عائلة الأغا



الرئيسة / مقالات / كان رسول الله مليونيراً منفقاً إعداد أ. بلال فوزي الأغا

كان رسول الله مليونيراً منفقاً إعداد أ. بلال فوزي الأغا

إعداد أ. بلال فوزي الأغا

خطبة الجمعة الماضية والتي سبقتها في معظم مساجد العالم الإسلامي تناولت طرفاً من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، فهذا الخطيب تناول رحمته صلى الله عليه وسلم ، وذلك تحدث عن عفوه، وثالث تكلم عن قوته وغزواته، وكل ذلك ليجسد الواعظون والعلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة في كل مجالات الحياة، فهو المثل الأعلى في الأبوَّة، ورعاية أولاده، وهو المثل الأعلى زوجاً، والمثل الأعلى في رئاسة الدولة، وهكذا.  

 

لكن طرفاً من السيرة النبوية لم يكتشف ولم يتحدث عنه المسلمون من قبل، ولم أعلم أن أحداً أفرد له المساحات الواسعة لتغطيته بهذا التفكير المعاصر، غير بعض المباحث المبعثرة في كتب بعض السابقين، حتى رفع لواء البحث العلمي المتخصص فيه الدكتور عبد الفتاح محمد السمان كشفاً عن علم يسمى بـ “الاقتصاد النبوي”والتي هي عبارة عن رسالة دكتوراه محكمة علمياً وشرعياً وبحثياً تحت اشراف الدكتور محمد الزحيلي من كبار علماء الشريعة الاسلامية السوريين، وهو شقيق الدكتور وهبة ومن أبرز تلاميذه، وحتى نعرف أهمية ذلك الاشراف العلمي والتحكيم المتخصص، نعرف بالمشرف الدكتور محمد وشقيقه الدكتور وهبة رحمه الله.


الدكتور محمد مصطفى الزحيلي

 وهو أستاذ وفقيه مسلم، يحمل شهادة الدكتوراه في الفقه المقارن بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر. وكان عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة، ألف الكثير من الكتب في الفقه وأصول الفقه والتاريخ الإسلامي وتاريخ الأديان وغيرها من المواضيع.


الدكتور وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي (1932 - 2015)،

أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة من سوريا في العصر الحديث، عضو المجامع الفقهية بصفة خبير في مكة وجدة والهند وأمريكا والسودان ورئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق. حصل على جائزة أفضل شخصية إسلامية في حفل استقبال السنة الهجرية التي أقامته الحكومة الماليزية سنة 2008 في مدينة بوتراجاي.

اذن الدراسة العلمية الشرعية المختصة بالسيرة النبوية الاقتصادية و الموسومة بعنوان : أموال النبي صلى الله عليه وسلم كسباً وإنفاقاً وتوريثا

 

قال المشرف الدكتور محمد الزحيلي عن الرسالة : " لم يَدُرْ بخَلَدي يوماً أن مالية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يفرَد لها كتاب يقع في (560) صحيفة، بعد أن يسلك سبيل البحث العلمي، ويجني دكتوراه محكَّمة بدرجة امتياز، معتمداً على القرآن الكريم والصحيحين".
وقد اختتمت الرسالة بدراسة لميزانية النبي صلى الله عليه وسلم في كسبه، والذي قاربت ميزانية النبي صلى الله عليه وسلم (1217) كغ من الذهب، وتركة بعد وفاته تتمثل في وقف خمسة عشر أرضاً، قيمة واحدة منها تزيد على 25كغ من الذهب.

الأموال التي دخلت تحت ملكية رسول الله صلى الله عليه وسلم الشخصية:

  • من الذهب: بلغ 1217 كيلوجرام ذهب، على حساب ثمن كيلو الذهب حالياً عيار 24 بلغ 40 ألف دولار، نحن أمام مبلغ يقارب (48 مليون و680 ألف دولار).

  • التركة من العقارات والأراضي: 15 قطعة أرض، قيمة الواحدة منها بيعت بعد وفاته بمبلغ يقارب المليون دولار للقطعة الواحدة، وكل التركة حولت لبيت مال المسلمين كما نعلم لحديث رسول الله : عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ عَلَيْهِمَا السَّلَام أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَيْهِمَا مِنْ فَدَكَ وَسَهْمَهُمَا مِنْ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهِ إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ، هل يعقل أن يحصل هذا الخلاف على مبلغ ناتج من العقارات بسيط.

 

ثم يعلق الدكتور الزحيلي على الأرقام التي نتجت من البحث: "كل هذه الأرقام تم استخلاصها من نصوص وأدلة وشواهد ثابتة، كانت تنعم بدفء الكتب ذات الأوراق الصفراء على رفوف مكتبات العلماء زمناً طويلاً".

لقد وجد المؤلف في حياة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم طُرق كَسْبه، وطُرُق إنفاقه، وطُرق توريثه وأوقافه، فيتبيَّن له -وعلى حد قوله- “أنَّه صلى الله عليه وسلم كان ثريَّاً منفقاً ولم يكن زاهداً فقيراً فاقداً، وإنَّ آلاف الصَّفحات الَّتي يُمكن أن تُكتَب عن تعامله صلى الله عليه وسلم مع ماله الشَّخصيِّ (في الكسب، والإنفاق الخاصِّ، والإنفاق الاستراتيجي، إضافةً إلى الاستثمار لما بعد الوفاة) لم تكتب بعد.. وهذا الكتاب مجرَّد خطوطٍ عريضةٍ وعناوين رئيسةٍ في البحر الَّذي لم يُكتَشَف بعد، والذي يمكن أن يطلَق عليه اسم:الاقتصاد النبوي
المصادر المالية النبوية والأدلة الشرعية عليها:

  1. قول الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم وهو دليل قطعي الثبوت والدلالة من القرآن الكريم: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ) من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا أنه الكريم المعطي والغني المغني، فاذا وصف رب العزة سبحانه إنعامه وفضله على خير خلقه ورسوله بوصف "أغنى"، فهل يعني ذلك ضيق العطاء أم سعة الإغناء
  2. الغنائم: قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)
  3. الفيئ: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
  4. ميراثه صلى الله عليه وسلم من والديه: والده عبد الله بن عبد المطلب أبوه سيد قريش الذي فداه من الذبح بمائة من الابل من أمواله الخاصة، وأمه من بني النجار لهم ممتلكاتهم من الاراضي وغيرها، اذ لا يكافئ ابن عبد المطلب الا امرأة شريفة ومن أصول عريقة وذات حسب ومال وجاه
  5. أموال زوجته خديجة: حيث أن الرسول قد تزوج خديجة وهي امرأة شريفة في مكة، وتعتبر سيدة أعمال لها تجارة دولية تتاجر بها في الشام ولها مدير أعمال هو ميسرة أوكلته بأعمالها.
    كما يوجد رجال اعمال وشباب أعمال فيوجد أيضاً سيدات أعمال لهن الممتلكات والعقارات والأعمال في كل زمن وشعب وأمة، ولهن حاليا التجمعات والنقابات والغرف التجارية ومنتديات سيدات الأعمال

  6. عينة من حجم الغنائم وطريقة توزيعها في السيرة النبوية: في غنائم حنين مثلاً أعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل، فقال: وابني يزيد؟ فقال: أعطوه أربعين أوقية، ومائة من الإبل، فقال: وابني معاوية؟ قال: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل، نحن أمام عطاء 120 أوقية ذهب ، ثمن أوقية الذهب عيار 24 حالياً قريب من 10 آلاف دولار، فأنت أمام عطاء قريب من مليون ومائتي ألف دولار، هذا فقط لأبي سفيان وولديه وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه، وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين، وأعطى العباس بن مرداس أربعين، فقال في ذلك شعراً، فكمل له المائة، (يعني 490 من الابل، ثمن الجمل حالياً قريب من ألف دينار، فاذا اعتبرنا أن الجمل بالنسبة لهم في زمنهم يمثل سيارة نص نقل وسفينة الصحراء فان اعتباره بالفارق الزمني أعطاهم 490 سيارة)


    ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاء الغنائم والناس، ثم فضها على الناس فكانت سهامهم لكل رجل أربعاً من الإبل وأربعين شاة، فإن كان فارساً أخذ اثني عشر بعيراً وعشرين ومائة شاة (12 جمل + 120 رأس غنم لكل شخص)

  7. ذبح من ماله الخاص عن نفسه يوم العيد في حجة الوداع مائة من الابل: ذكر ابن القيم في كتابه زاد المعاد: (ثُمّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ بِمِنًى، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ وَكَانَ يَنْحَرُهَا قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى. وَكَانَ عَدَدُ هَذَا الّذِي نَحَرَهُ عَدَدَ سِنِي عُمْرِهِ ثُمّ أَمْسَكَ وَأَمَرَ عَلِيّا أَنْ يَنْحَرَ مَا غَبَرَ مِنْ الْمِائَةِ ثُمّ أَمَرَ عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنْ يَتَصَدّقَ بِجَلَالِهَا وَلُحُومِهَا وَجُلُودِهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْجَزّارَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا، وَقَالَ نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا) ، اليوم السبعة من المسلمين يشاركون في ذبح بعير في العيد
  8. الأراضي الخاصة والهدايا: صال الباحث وجال في حديث ثريٍّ عن تركته صلى الله عليه وسلم من الأراضي التي تركها صلى الله عليه وسلم وقفاً لأهله يأكلون من خيراتها، ولا يقتسمون أصولها، وهي: الأراضي السَّبعة التي أهداها مخيريق للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأرضه صلى الله عليه وسلم من أموال بني النَّضير، وحصون الكتيبة والوطيح والسلالم من حصون خيبر، والنِّصف من أرض فدك، والثُّلث من وادي القرى، وحاجاته الشَّخصية: السُّيوف، الدُّروع، القسي، الجعبة، النّبل، التُّروس، الرِّماح، المغافر، وغير ذلك
  9. تزوج رسول الله تسعة من النساء أصدق كل واحدة منهن صداقها (مهر كامل) وكان لها بيتها ونفقتها وكل احتياجاتها الاساسية
  10. من أقوال رسول الله: "إنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ" فلا يعقل أن يقول قولاً يوصي به المسلمين ثم لا يطبقه هو على نفسه وأهل بيته وذريته من بعده.

    ختام القول

نخرج من المقال بعدة خلاصات نجملها في النقاط المحددة التالية:

  • المساهمة في التثقيف والتعريف برسول الله يشمل هذه المرة اطلالة جديدة ومميزة بالدراسة التي لا أخفي على صعيدي الشخصي أنني لأول مرة أتنبه لهذا الجانب من خلال هذه الدراسة، فجزى الله تعالى الباحث خيراً كثيراً على هذا التميز والذكاء والابداع والاتقان العلمي.
  • التجسيد النبوي للزهد الحقيقي هو زهد الواجد لا زهد الفاقد، وهذا المعنى يجسده رسول الله في سيرته، حيث كان كريماً وزاهداً وهو قادر أن يعيش بعكس ما ارتضاه لنفسه
  • رداً على التعبئة السابقة قبل أن تخرج هذه الدراسة: والتي كانت تعتمد على أن النبي فقير يربط على بطنه الحجارة من الجوع، وتوفي ودرعه مرهونة عند يهودي، ولم توقد النار في داره الهلال والهلالين، فالرد عليها أنها حالات طبيعية تمر في حياة الناس من أوقات الضيق، ليس في بيته سيولة من مال فيرهن درعه، لكنه يمتلك أرضاً هنا وأخرى هناك، فلا يجوز شرعاً ان نقتصر على جانب واحد من الأدلة من باب قص المشهد وعدم تكملة الصورة بلا قصد، لذلك بعد الذكرى والتبيين للنوعين من الأدلة التي تعبر عن واقعية مرور الانسان بكل الظروف ويقبل تنوعاتها، فلا يصح أن يقتصر أحد طرفاً ويخفي الآخر
  • أثبت المؤلف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اقتصادياً بارعاً، وقد كان من دعاء رسول الله الثابت : اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر
  • فعلاً.. لقد استطاع الكتاب تحرير إضافات قيمة في محاور رئيسة، كالعقيدة، والسيرة النبوية، والحديث الشريف، والفقه، والفكر الدعوي…، معتمداً في معظم ذلك على صحيح الأدلة وثابت السِّيَر



صورة للباحث الدكتور عبد الفتاح السمان حفظه الله
نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا ، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا فقهاً وعلماً، وأن يقبل الله منا الصالحات، والكلامُ رزقُ القُرَّاءِ أو المستمعين يَسُوقُهُ اللهُ بِأقلامِ الكُتَّاَبِ أو على ألسنةِ المُتكلمين.

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك
Website Security Test